علمانية على أسس دينية

Church State signs

يرتبط مصطلح “العلمانية” لدى المواطن العربي (سواءً كان مؤيداً أم معارضاً لها) بعلاقة سلبية مع الدين من قبيل الفصل أو التضاد، فالمؤيدون للعلمانية ينظرون بريبة لحضور الدين في الحياة العامة، ويفضّلون بقاءه بعيداً محصوراً ضمن نطاق الحياة الشخصية للفرد، لذلك ترتبط العلمانية بالنسبة إليهم بمفهوم الفصل: الفصل بين الدين والسياسية، الفصل بين الدين والتعليم، إلخ. في المقابل ينظر المعارضون للعلمانية على أنها أيديولوجيا عدائية تجاه الدين، بل ويربطها بعضهم بالإلحاد المطلق، لذلك تصبح العلمانية في نظرهم ضد الدين.

لا بد وأن هذا البعد السلبي لعلاقة العلمانية بالدين يرجع بدرجة كبيرة إلى طبيعة التيارات العلمانية الغربية الأكثر تأثيراً على العالم العربي، والتي ساهمت بالتالي إلى نحوٍ بعيد في صياغة مفهوم العلمانية لديه، على رأس هذه التيارات تأتي العلمانية الفرنسية (والتي تعرف في بلاد المغرب العربي باللائكية)، وقد طبق هذا النموذج إلى حدٍّ بعيد في تركيا المجاورة على يد مصطفى كمال أتاتورك (العلمانية الكمالية)، كما تم تطبيقه إلى حدٍّ ما في تونس على يد الحبيب بورقيبة، وقد أثر كذلك على العديد من الأنظمة السياسية العربية التي خلفها الاستعمار الفرنسي.

هناك مدرسة علمانية أخرى انتشرت في العالم العربي وأثرت في العديد من أنظمته السياسية وإن لم تصل إلى الحكم بشكل مطلق، ألا وهي الماركسية بنسختها السوفيتية، والتي اتخذت موقفاً متشدداً تجاه الدين يصل إلى حد وصفه بمخدر فكري للشعب (في قراءة سطحية لكتابات كارل ماركس)، الماركسية كان لها تأثير ملموس على الحركات الاشتراكية العربية والتي وصلت إلى الحكم في العديد من البلدان العربية وساهمت بلا شك في صياغة سياسياتها تجاه الدين سواء بشكل مباشر أم غير مباشر.

بالطبع كان للصدام بين تيارات الإسلام السياسي وعدد من الأنظمة الدكتاتورية العربية التي تقدم نفسها على أنها علمانية ومن ثم الصدام بين التنظيمات الإسلامية المتشددة والغرب دورٌ في تعزيز استقطاب ثنائية العلمانية والدين، ولكن هذا الاستقطاب كان موجوداً أصلاً في طريقة فهم الشارع العربي لمفهوم العلمانية، وهو يرجع إلى الاستقطابات التاريخية في أوروبا الناجمة عن تدخل الكنيسة في شؤون الحكم وصراعها مع القوى السياسية الأخرى التي حاولت إبقائها بعيداً عن السياسية والشأن العام، فالعلمانية الأوروبية بمختلف أشكالها كانت نموذجاً سياسياً وقانونياً واجتماعياً فرضته القوى العلمانية على الكنيسة، وبالتالي يحمل بتكوينه صيغة تنافرية مع الدين أو المؤسسات الدينية.

ولكن هناك نموذج آخر للعلمانية نادراً ما تتطرق إليه النقاشات حول العلمانية والدين في العالم العربي؛ ألا وهو النموذج الأمريكي. يتميز هذا النموذج العلماني عن نظرائه في أوروبا في أنه لم يقم من أجل منع الكنيسة أو الدين من التدخل في السياسة، بل على العكس من أجل منع الدولة من التدخل في الشؤون الدينية، فالعلمانية الأمريكية لم تكن ثمرة تيارات فكرية وسياسية معادية للدين في الحياة العامة، بل ثمرة تيارات فكرية وسياسية دينية بامتياز أو متعاطفة مع الدين على الأقل.

من أجل فهم طبيعة علاقة العلمانية الأمريكية بالدين علينا العودة إلى بدايات التاريخ الأمريكي وفهم تكوين النظام السياسي الأمريكي، النظام السياسي الأمريكي بطبيعة الحالة مرتبط في أذهان الكثيرين من العرب بعنجهية القوة العسكرية والاقتصادية والنزعة للسيطرة على موارد المنطقة وأسواقها وأنظمة الحكم فيها فضلاً عن الدعم المطلق لإسرائيل، حتى من الناحية الديمقراطية يتجاهل العرب النظام الأمريكي على أنه نظام سياسي فاسد يحكمه رأس المال وليس سلطة الشعب، ولكن باعتقادي الشخصي هناك الكثير لنتعلمه من النظام السياسي الأمريكي، على الأقل من ناحية المبادئ الفكرية والدستورية المؤسسة له.

تعود جذور ما يعرف الآن بالولايات المتحدة الأمريكية إلى هجرة أعداد كبيرة من أتباع الطوائف البروتستانتية التطهيرية (مصطلح “التطهيرية” Puritanism يمكن مقارنته بمصطلح “الأصولية” أو “السلفية” في العالم الإسلامي، مع الأخذ بعين الاعتبار أن الحركتين ليستا متشابهتين تماماً) من إنجلترا إلى المنطقة التي تعرف باسم نيوإنجلند (إنجلترا الجديدة) في الساحل الشرقي لأمريكا الشمالية  في النصف الأول من القرن السابع عشر، كانت دوافع هذه الهجرة هي الهرب من الاضطهاد الديني الذي مارسته الملكية البريطانية وكنسيتها الأنجليكانية ضدهم.

التطهيريون بزيهم المحافظ

التطهيريون بزيهم المحافظ

صحيح أن الكنيسة الأنجليكانية هي كنيسة بروتستانتية أيضاً، ولكن نسختها من البروتستانتية كانت “مائعة” في نظر التطهيريين الذين اعتبروا أن الإصلاح الديني في إنكلترا وانتقالها من الكاثوليكية إلى البروتستانتية لم يتم بشكلٍ كافٍ، فقد طالب التطهيريون بالتخلص من كامل الإرث الكاثوليكي المتمثل بالطقوس المعقّدة والهرمية الكهنوتية وشيوع التصوير والزخرفة في الكنائس وغيرها من العادات والتقاليد والقيم التي كانوا يعتبرونها “بدعاً” كاثوليكية ليست من صميم المسيحية الأصيلة، كما نادى التطهيريون بجعل الكنيسة أكثر استقلالية من الملك بأن تتم إدارتها من قبل مجالس عمومية منتخبة وليس أساقفة يتم تعيينهم من قبل الملك.

مطالب التطهيريين لم تقتصر على الشؤون الكنسية بل امتدت إلى الشؤون السياسية، فقد دعموا البرلمان الإنجليزي في صراعه مع الملك تشارلز الأول ذي النزعة التسلطية، مما أدى إلى اندلاع الحرب الأهلية الإنجليزية بين عامي 1642 و1651 والتي انتهت بانتزاعهم السلطة وإلغاء الملكية مع إلغاء امتيازات الكنيسة الأنجليكانية، ولكن في عام 1660 عادت الملكية إلى بريطانيا وعادت الكنيسة الأنجليكانية الكنيسة الرسمية للدولة (ومازالت حتى الآن)، كما أصدر البرلمان الموالي للملك الجديد تشارلز الثاني “قانون الانتظام” Act of Uniformity  عام 1662 والذي نصّ على أن أي شخص يشغل منصب في الدولة أو الكنيسة أو الجامعة ملزم باتباع كافة الطقوس والعقائد المنصوص عليها في “كتاب الصلاة العام” Book of Common Prayer المعتمد رسمياً من قبل الكنيسة الأنجليكانية.

رفض العديد من البروتستانت التطهيريين الرضوخ لفرض طقوس وعقائد رسمية عليهم، خاصة أنها كانت بنظرهم مجرد نسخة إنجليزية محلّية من الطقوس والعقائد الكاثوليكية اللاتينية، ولذلك عرفوا باسم “المنشقّين” Non-conformists  (الرافضة؟) وتم فصلهم نهائياً من الكنيسة الأنجليكانية.

هذه الصراعات المتكررة والمحاولات الدؤوبة لفرض نسخة رسمية من المسيحية دفعت أعداد كبيرة من البروتستانت التطهيريين وغيرهم من المنشقين إلى مغادرة بريطانيا والاستقرار في العالم الجديد في منطقة نيوإنجلند ومناطق أخرى على الساحل الشرقي (كبينسيلفانيا)، حيث أنشأوا عدداً من المستعمرات التي نمت وأصبحت فيما بعد نواة الولايات المتحدة الأمريكية، فمنها انطلقت الثورة الأمريكية ضد الحكم البريطاني، ومنها خرج معظم رجالات الاستقلال الأمريكي، كما تم فيها إعلان استقلال الولايات المتحدة عام 1776.

الغاية من هذا العرض لتاريخ البروتستانتية التطهيرية هو تبيان حساسية هذه الحركة الشديدة تجاه ارتباط الكنيسة بالدولة وممارسة الدولة للقمع الديني، وهي ذات المبادئ التي قامت عليها العلمانية الأمريكية فيما بعد، فصل الكنيسة عن الدولة وحماية حرية الاعتقاد والشعائر الدينية في الحقيقة هي أهم مبادئ الدستور الأمريكي على الإطلاق، ولذلك فقد نص عليهما في أول عبارتين من التعديل الأول للدستور الأمريكي:

“Congress shall make no law respecting an establishment of religion, or prohibiting the free exercise thereof”

”لا يجوز للكونغرس إصدار أي قانون يتبنى ديناً ما بشكل رسمي أو يمنع حرية ممارسته

(النص العربي هو ترجمتي الخاصة للنص الإنجليزي الأصلي)

هذا المبدأ المزدوج الذي ينص على منع تأسيس دين رسمي أو منع حرية ممارسة الشعائر الدينية يعد نموذجاً للعلمانية الخالصة، أي العلمانية التي لا ترفض تدخل الدين في الدولة فحسب، بل ترفض تدخل الدولة في الدين أيضاً.

من الجدير بالذكر أن معظم العلمانيات المؤسسة على الطراز الفرنسي تتضمن الشق الأول فقط من العلمانية الأمريكية، بمعنى أنها تمنع تدخل الدين في السياسة ولكنها لا تنص على الإطلاق على منع تدخل الدولة في الدين، فالعلمانية الكمالية على سبيل المثال تدخلت إلى حد كبير في صياغة وإدارة الشؤون الدينية في تركيا، حيث تم تأسيس إدارة رسمية للشؤون الدينية إبان حكم مصطفى كمال أتاتورك تقوم بتعيين خطباء الجوامع وأئمتهم والإشراف على تدريبهم، الأمر ذاته ينطبق على نظام حكم جمال عبد الناصر في مصر الذي جعل من الأزهر مؤسسة تابعة للحكومة، وينطبق أيضاً على الحكم العسكري الحالي في مصر الذي أصدر مؤخراً تعليمات بتوحيد خطب الجمعة، حتى في فرنسا ذاتها –قلب العلمانية الأوروبية– تقوم الدولة بتشكيل مجالس رسمية لرعاية الشؤون الدينية، أمور كهذه من المستحيل أن تحصل في بلد كالولايات المتحدة ينص رسمياً في مبادئه الدستورية على منع تدخل الدولة في الشؤون الدينية.

من الجدير بالذكر أيضاً أنه رغم كون الولايات المتحدة من الناحية الدستورية والقانونية أكثر علمانية من جميع الدول الأوروبية (باستثناء فرنسا، إذا قصرنا مفهوم العلمانية على جانب واحد، أي إبعاد الدين عن السياسية وليس العكس)، إلا أن شعبها أكثر تديناً من معظم الدول الأوروبية، ومن أكثر الشعوب تديناً في دول العالم الصناعي المتقدمة، هذا التناقض الظاهري بين حكم علماني وشعب متدين دفع منظري العلمنة secularization في أوروبا إلى تصوير الولايات المتحدة على أنها استثناء للقاعدة العامة التي تنص بنظرهم على تراجع الدين في الحياة العامة بالتوازي مع تطور المجتمع وتحديثه، ولكن الآن مع مراجعة نظرية العلمنة تبدو أوروبا هي الاستثناء وأمريكا هي النموذج الأعم (على الأقل في نظر بعض علماء الاجتماع).

لا يمهني هنا تحديد من يمثل القاعدة ومن يمثل الاستثناء: أوروبا أم أمريكا، ولكن يهمني أن أبين للقارئ العربي (مؤيداً كان للعلمانية أم معارضاً) أن العلمانية كفصل للدين عن الدولة ليست بالضرورة مبينة على فكر لاديني أو معادٍ للدين*، ففي الوقت الذي تموج فيه المنطقة بتقلّبات عسكرية وسياسية وفكرية نتيجة حركات الاحتجاج الشعبي ضد الأنظمة القمعية في المنطقة، وفي الوقت الذي تأخذ فيه النقاشات بين العلمانيين والإسلاميين طابعاً حاداً نتيجة الخلاف على صياغة الدساتير والقوانين، نحن بحاجة ماسة إلى الخروج من حالة الاستقطاب الفكري بين العلماني والديني، على العلماني أن يدرك أن الدين (حتى بأشكاله المتشددة) لعب ويمكن أن يلعب دوراً هاماً في صياغة مبادئ الحكم القويم والحرية الشخصية والاجتماعية، كما أن على الإسلامي أن يدرك أن وجود حالة من تحييد أجهزة الدولة عن النزاعات الدينية (أياً كانت التسمية: علمانية، مدنية، إلخ) قد تؤدي إلى ازدهار الحياة الدينية وليس طمسها.

—————————————————-

* العلمانية في سردها الذاتي، أي في الطريقة التي تروي بها تاريخها، تميل إلى طمس أصولها الدينية، ففي فيلم وثائقي شاهدته منذ بضعة أيام بعنوان “مؤمنون علمانيون” Secular Believers من إنتاج البي بي سي، عرض مقدّم الفيلم (وهو شخص قدم نفسه على أنه ملحد) تاريخ العلمانية من وجهة نظره، بحسب هذا العرض خرجت العلمانية من مقاهي وصالونات باريس الفكرية حيث كان يجتمع نخبة المجتمع الباريس الأرستقراطي من الفلاسفة والمفكرين ليتناقشوا في شؤون الدين والفكر والسياسة وينتقدوا فساد الكنيسة الكاثوليكية، الفيلم لم يأت على الإطلاق على ذكر شخصية مثل روجر ويليامز وهو رجل دين بروتستانتي تطهيري هاجر من إنجلترا إلى نيوإنجلند هرباً من اضطهاد الكنيسة الكاثوليكية، ويعد من أوائل من طرحوا مفهوم فصل الدين عن الدولة في التاريخ الحديث (قبل حوالي قرن ونصف من الثورة الفرنسية)، فأيهما أجمل: أن تعود أصولك الفكرية إلى مقاهي باريس الأرستقراطية وصالوناتها الراقية أم رجل دين تطهيري عاش حياة دينية صارمة في المستعمرات الأمريكية واستمد أفكاره من الإنجيل؟

تمثال روجر ويليامز أمام الجامعة التي تحمل إسمه في رود أيلاند

تمثال روجر ويليامز أمام الجامعة التي تحمل إسمه في رود أيلاند

Advertisements

One thought on “علمانية على أسس دينية

  1. […] وهذه بالمناسبة ليست حالة فريدة في تاريخ الأديان، فالعلمانية في الولايات المتحدة الأمريكية قامت بشكلٍ جزئي على تبريرات وأسس دينية. عزيز العظمة […]

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s