حلقة دراسية عن العلمانية في العالم العربي – الجلسة الثانية: مقدمة عن نظرية العلمنة

أقوم حالياً بإدراة حلقة دراسية (سيمنار) في معهد الدراسات الشرقية بجامعة لايبتزغ (ألمانيا) حول الدين والعلمانية في العالم العربي، الحلقة تتألف من ثلاثة عشر جلسة سيتم خلالها تغطية جوانب ومراحل تاريخية مختلفة من هذا الموضوع المتشعب والشائك جداً، سأقوم خلال الأسابيع المقبلة بنشرملخص أسبوعي لكل جلسة يتضمن لمحة عن النصوص المقررة والمحاضرة التي تم إلقاؤها (من قبلي أومن قبل أحد الطلاب) بالإضافة إلى النقاط التي تم طرحها خلال النقاش. الغاية من هذه الملخصات أن تشكّل نواة لمشروع إلكتروني أكبر عن العلمنة باللغة العربية.

الجلسة الأولى: تعارف، عرض خطة السيمنار، والاتفاق على بعض الأمور التقنية

الجلسة الثانية: علماني، علمنة، علمانية – الأساس النظري والمفاهيمي

النصوص المقررة:

  • Bruce, Steve (2001) “The Social process of Secularisation” in Fenn, R.K. (Ed.) (2007) The Blackwell Companion to Sociology of Religion, Blackwell, Oxford, p. 249-264. للتحميل إضغط هنا
  • Asad, Talal (2003) “Introduction: Thinking about Secularism” in Formations of the Secular: Christianity, Islam, Modernity, Stanford University Press, Stanford, Calif, p. 1-26.  للتحميل إضغط هنا
  • Casanova, Josè (2006) “Rethinking Secularization: A Global Comparative Perspective”, The Hedgehog Review, Vol. 8, No. 1-2, p. 7–22.  للتحميل إضغط هنا
  •  عزيز العظمة (2008) “العلمانية من منظور مختلف: الدين والدنيا في منظار التاريخ”، كتاب في جريدة، عدد 121، 3 أيلول 2008، ص 5-10   للتحميل إضغط هنا

النصوص المعروض أعلاه تقدم وجهات نظر مختلفة حول مفاهيم العلمنة والعلمانية وعلاقتهما ببعضهما البعض، النص الأول من عالم الاجتماع  البريطاني المعروف ستيف بروس وأحد المدافعين بشدة عن نظرية العلمنة بشكلها الكلاسيكي (يمكن قراءة ذلك من عناوين كتبه، على سبيل المثال: God is Dead: Secularization in the West)، بروس يعزو في هذا النص العلمنة إلى جملة من التحولات البنيوية والاجتماعية والثقافية والتي يختصرها بكلمة “التحديث”، فالعلمنة بالنسبة له—والتي تعني بكل بساطة أن الدين يتراجع على مستوى الاعتقاد والممارسة—محصلة ثانوية لعمليات عديدة نذكر منها: التمايز الوظيفي والاجتماعي social and functional differentiation، نشوء المجتمعات الكبرى societies (بدلاً من المجتمعات الأهلية المحلية communities )، بروز أنماط الحياة الفردية، تطور العقلنة الدينية (متمثلة بالأديان التوحيدية وخاصة البروتستانتية)، التنوع الثقافي والديني، وأخيراً نشوء الدولة القومية-الحديثة التي كان عليها أن تحافظ على التناغم الاجتماعي في ظل هذه التغييرات الهائلة فقامت بفصل الدين عن إدارة الحكم.

تماشياً مع نظرية العلمنة بشكلها المعروف كان بروس حريصاً في نصه أن ينفي أي صفة أيديولوجية عن عملية العلمنة، فهي ليست مشروعاً ثقافياً للتنوير ولا نتاجاً لحربٍ فكرية بين العلم الحديث والاعتقاد الديني، ولكن بروس يحيد عن  الصياغة الأصلية لنظرية العلمنة في نقطة معينة، ألا وهي عالميتها، أي صلاحية هذه النظرية خارج العالم الغربي، فبروس حريص أن يحصر نقاشه بأوروبا الغربية وشمال أمريكا من دون أن يطلق أي حكم على المجتمعات القائمة خارجها، وهذا برأيي أكبر نقطة ضعف في نظرته للعملنة، فمن دون عملية مقارنة مع المجتمعات الأخرى من الصعب إطلاق أحكام يقينية—وبروس بطبيعته قاطع في آرائه وألفاظه—على أسباب تراجع الدين في المجتمعات الغربية.

النص الثاني لعالم أنثربولوجيا العالم الإسلامي طلال أسد والذي أصبح أبرز أعلام الاتجاه ما بعد الكولونيالي في دراسة الدين—باختصار إدوارد سعيد الدراسات الدينية، أسد يرى العلمنة من منظور نقدي يتناول أسسها المعرفية والفلسلفية، بل وحتى مصطلحاتها الأولية كالعلماني the secular  ونظيره الدين. في الحقيقة أسد ليس معنياً بنقد نظرية العملنة بحدّ ذاتها، وإنما بالعلمانية كنظام معرفي يقولب الدين في نطاق محدد (نطاق الغيبيات، الأسطورة، اللاعقلاني، الخاص، إلخ) ويقدم سردية تاريخية كبرى تصور الحداثة على أنها انعتاق النطاق العلماني (الواقع، الحقيقية، العقلاني، العام، إلخ) من سيطرة الدين، بهذا الشكل يصبح الدين—حسب أسد—عبارة عن معتقدات فردية ذاتية subjective سهلة التدجين. باختصار العلمانية بالنسبة لأسد ليست مجرد وسيلة لإدراة الحكم قائمة على الفصل بين المؤسسات الدينية والسياسية، بل نظام معرفي متكامل (وعي زائف؟) يتحكم في طريقة فهمنا للدين والمجتمع، مما يجعل هذا الفصل مبرراً ومنطقياً.

قبل الانتقال إلى النص التالي أود أن أعلّق سريعاً على آراء أسد. مشكلة أسد في الدراسات الدينية برأيي تشابه مشكلة إدوارد سعيد في دراسة الاستشراق، فأطروحتاهما جديرتان بالدراسة وتلقيان الضوء على العديد من النقاط التي نمرّ عليها مرور الكرام من دون تمحيص وتدقيق، ولكن البعض قد “تحمّس زيادة عن اللزوم” لهما وبدأوا باقتباسهما بمناسبة ومن دون مناسبة كي يلقوا بكامل الدراسات الشرقية والدينية في سلّة المهملات، في الحقيقة الكاتبان نفسهما من وجهة نظري يتأرجحان بين هذين الموقفين: نقد منطقي عقلاني لبعض الأخطاء المنهجية في حقليهما الدراسيين من جهة، وسرد تعميمي (أقرب لنظرية المؤامرة منه للنقد) لقولبة كامل المنتج المعرفي في هذين الحقلين ضمن نظرة أيديولوجية ضيقة من جهةٍ أخرى، لذلك فعلى القارئ أن يكون حكيماً كي لاينزلق، كما الكثيرون، إلى النزعة الثانية.

النص الثالث في هذه الجلسة يعود إلى عالم الاجتماع الأمريكي-الإسباني خوسيه كازانوفا، يعدّ كازانوفا من أبرز منظّري العلمنة الذين حاولوا إعادة صياغتها استجابةً للانتقادات التي تعرضت لها منذ نهاية الثمانينات، قسّم كازانوفا نظرية العلمنة إلى ثلاث فرضيات “مستقلّة تحليلياً” وهي: أولاً، تراجع المعتقدات والممارسات الدينية؛ ثانياً، “خصخصة” الدين (أي تراجعه من النطاق العام إلى الخاص)؛ ثالثاً، التمايز الوظيفي functional differentiation. كازانوفا يحاجج بأن الفرضية الثالثة هي أساس نظرية العلمنة والجانب الذي مازال بالإمكان توثيقه تجريبياً. أما بالنسبة للفرضيتين الأخيرتين فكازانوفا يعتبرهما غير مبررتين لا تجريبياً (أي أنهما تناقضان الواقع الاجتماعي) ولا معيارياً (normatively، أي لا تصلحان كمبادئ قيمية).

خوسيه كازانوفا

كازانوفا دخل في جدل مطول مع أسد (أنظر الفصل السادس من كتاب أسد المذكور أعلاه) والذي رفض نظريته الثلاثية للعلمنة على أنها غير متّسقة. استجابة لهذا النقد اتجه كازانوفا نحو التفسيرات الحضارية، تحديداً نظرية الحداثات المتعددة لأيزينشتادت، في محاولة لإيجاد أساس مسيحي لنظرية التمايز الوظيفي. هذا التوجه الحضاري لكازانوفا يمكن ملاحظته في هذا النص حيث يحاجج أن هناك “تمايزات متعددة” multiple differentiations، فهناك مثلاً نمطين للتمايز الوظيفي في أوروبا، أحدهما لاتيني-كاثوليكي حيث تكون الحدود بين الديني والعلماني مرسومة بشكلٍ صارم، وآخر أنغلو-بروتستانتي حيث الحدود متداخلة إلى حدّ بعيد (من أجل نقد لهذا التوجه أنظر عزيز العظمة (2015) سورية والصعود الأصولي: عن الأصولية والطائفية والثقافة، رياض الريس للكتب والنشر، ص 58-65).

النص الأخير لعزيز العظمة، وهو برأيي أبرز من كتب عن العلمنة في العالم العربي من منظور اجتماعي-تاريخي أكثر منه فلسفي- سياسي أو ديني، يتحدّث عن تطور العلمنة في العالم الغربي. العظمة من المتمسكين بنظرية العلمنة بشكلها التقليدي، وبالتالي فهو يرجعها كما بروس إلى جملة من التحولات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي أدّت بشكل غير مباشر إلى تراجع سلطة الدين على المجتمع، ولكنه على عكس الأخير لا ينفض يديه منها عندما يتعدّى النقاش حدود العالم الغربي، فالعظمة يصرّ، ردّاً على التفسير الحضاري لكازانوفا وعلى التفسيرات الإسلامية ومقابلتها المسيحية التي تضع العلمنة في إطار مسيحي-تاريخي صرف، أنه لا وجود لفردانية تاريخية مسيحية-أوروبية تجعل العلمنة شيئاً خاصاً بها دون غيرها من الأديان والثقافات، فالواقع الأوروبي في العصور الوسطى—من حيث علاقة السلطة الدينية بالدولة—لم يختلف جذرياً عن ذلك في العالم الإسلامي. العظمة يعتبر أن الأنظمة السياسية في هذين العالمين امتداد للأنظمة السياسية البيزنطية والساسانية التي نشأت في العصر القديم المتأخر Late Antiquity والتي كانت مبنية على لاهوت سياسي يعطي للحاكم—كالخليفة أو الإمبراطور الروماني المقدّس—قدسية دينية وكونية.

وبالنسبة لأية نصوص يطرحها البعض على أنها أساس نظري لفصل الدين عن السياسية في العالم المسيحي، من قبيل “أعطوا ما لقيصر لقيصر وما لله لله”، فهي تستند حسب للعظمة على مغالطة تطابق التاريخ مع النص، وهذا يتنافى مع الواقع، فصيرورات التاريخ كانت تتحدد بالوقائع السياسية والاقتصادية والاجتماعية، والنص ليس إلا عاملاً من بين عوامل عديدة في معادلات التاريخ، كما أن الحجج القائمة على هذه النصوص تفترض أن المسيحية كما الإسلام كيان واحد ثابت عبر التاريخ.

بالإضافة إلى النصوص السابقة قدّمتُ موجزاً عن أصل وتطور كلمة secular ومشتقاتها في اللغات الأوربية: من كلمة saeculum الرومانية بمعنى “جيل” أو “عصر”، مروراً بمعناها الكنسي في العصور الوسطى لتمييز الكهنة غير الإكليريكيين الذين يعيشون بين العامة عن نظرائهم الذين يتبعون الأديرة أو الرهبانيات، ومن ثم تحولها إلى فعل secularize لتعني نقل ممتلكات الكنيسة إلى الدولة (كما وردت في نص معاهدة ويستفاليا 1648). مصلطع العلمانية secularism بمعناه الأيديولوجي الفلسفي نُحت من قبل المفكّر الإنجليزي جورج جاكوب هولي-أوك في منتصف القرن التاسع عشر ليميز فلسلفته عن الإلحادية التي دعا لها بعض زملائه ضمن حركة “المفكرين الأحرار” البريطانية. في علوم الاجتماع كان ماكس فيبر أول من استخدم المصطلح secularization في بداية القرن العشرين (وإن بشكلٍ قليل) للدلالة على العقلنة والتحرر من السحر disenchantment المرتبطتين بالحداثة، ولكن كنظرية اجتماعية شاملة فالعلمنة على الأرجح لم تظهر حتى منتصف القرن العشرين.

هناك عدة نقاط طُرحت للنقاش خلال الجلسة، منها صلاحية نظرية العلمنة خارج النطاق الغربي (هل لم تحدث أبداً، حدثت ثم عُكست، أم حدثت ولكن أنتجت أشكالاً مؤدلجة من التدين؟)، وعلاقة العلمنة بالعولمة، فعمليات العلمنة ارتبطت بنشوء الدول القومية كالشكل العالمي الأوحد تقريباً للحكم، ولكن الآن مع تراجع الدولة في العديد من أجزاء العالم تحت تأثير الليبرالية الجديدة وصراع الهويات وصعود الأصوليات الدينية، هل باتت العلمانية في مأزق؟ هل الأشكال الدينية للتنظيم، بحكم كون  الهوية الدينية عابرة للحدود (فالدين، قد يقول قائل، كان أول أشكال العولمة الثقافية)، أكثر قدرة على الاستفادة من ظروف العولمة من غيرها؟ كازانوفا يلمّح إلى ذلك من خلال طرحه لما يُسميه بـ “المجتمعات الدينية المتخيلة عبر الدولية” transnational imagined religious communities.

الغاية من طرح هذه الأسئلة الشائكة في الجلسة الماضية لم يكن الإجابة عنها، بل تقديمها للطلاب كي تبقى في أذهانهم خلال دراستهم للنقاشات عن العلمانية والدين في العالم العربي.

الجلسة القادمة تتألف من جزئين: لمحة عن تاريخ العالم العربي خلال القرنين الثامن والتاسع عشر، والذي كان مرتبطاً بشكل أساسي بالدولة العثمانية ومحاولات إصلاحها لكي تلحق بركب الدول الأوروبية. الجزء الثاني سيتناول المصطلحات المستخدمة في اللغة العربية للتمييز بين ما هو ديني/روحي/عقائدي وما هو دنيوي/زماني/لاديني، وطبعاً على رأسها مصطلع العلمانية ذاته.

Advertisements

3 thoughts on “حلقة دراسية عن العلمانية في العالم العربي – الجلسة الثانية: مقدمة عن نظرية العلمنة

  1. […] secular في المسيحية الأوروبية في القرون الوسطى (أنظر ملخص الجلسة السابقة)، مما يوحي بأن الكلمة متأصّلة في الكتابات المسيحية […]

  2. Sami ofeish says:

    I am wondering whether you will consider case studies from.the Arab world when addressing secularism in the next few days

  3. There will be some presentations/lectures about certain themes in specific Arab countries. For example, next week a student will do a presentation about sectarianism in Syria and Lebanon (particularly during the colonial period). Later on, there might be a presentation on public debates about secularism in Egypt in the 1980’s & 90’s (Faraj Fouda, al-Ghazali, etc.). Another topic that I have in mind is Saudi Arabia (Neoliberalism and Islam).

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s