الجلسة الثامنة – العظم والقرضاوي وجهاً لوجه

في هذه الجلسة نناقش كتابات تعود لشخصيتين فكريتين عربيتين من “الوزن الثقيل”: وهما الفيلسوف السوري صادق جلال العظم (والذي توفي منذ أشهر قليلة في برلين) والشيخ المصري-القطري يوسف القرضاوي. النص الأول يعود للعظم ومأخوذ من كتابه الشهير نقد الفكر الديني ويتعلق بـ “معجزة” ظهور مريم العذراء فوق إحدى كنائس القاهرة عام 1968، فيما النص الثاني مأخوذ من كتاب القرضاوي الإسلام والعلمانية وجهاً لوجه ويتناول فيه جوانب مختلفة من العلمانية بالنقد. القسم الأخير يعلّق بشكل مقتضب على حوار بين القرضاوي والعظم ضمن برنامج الاتجاه المعاكس على قناة الجزيرة.

النصوص المقررة:

صادق العظم (1970) نقد الفكر الديني، دار الطليعة، بيروت، ص 7-14، 149-178. لتحميل النص إضغط هنا

يوسف القرضاوي (1997 [1987]) الإسلام والعلمانية وجهاً لوجه، مكتبة وهبة، القاهرة، ص 1-94 لتحميل النص إضغط هنا

قناة الجزيرة الفضائية (من دون تاريخ) “الاتجاه المعاكس: الدين والعلمانية” (رابط الحلقة مرفق في نهاية هذه المقالة)

يضع صادق جلال العظم كتابه نقد الفكر الديني في إطار نقد ماركسي-تنويري للفكر العربي بعد هزيمة عام 1967. الغاية من هذا النقد بحسب العظم تفكيك القراءة الحرفية للنصوص الدينية، وإخضاع عنصر الأسطورة myth فيها للنقد التشكيكي والمساءلة العقلانية. لقد سبّب الكتاب جدلاً واسعاً، كما أثار حفيظة بعض التيارات الدينية التي انبرت للدفاع عن قدسية النصوص الدينية منعاً لـ “تجريدها من العنصر الأسطوري” de-mythologization  بحسب تعبير العظم (أنظر مقدمة النسخة الإنجليزية الصادرة مؤخراً).

Naqd_al-Fikr_al-Dini

غلاف كتاب العظم المثير للجدل

ولكن العظم لا يفتتح الكتاب (ص 7-14) بتوجيه نقده إلى الفكر الديني، بل إلى الأنظمة والتيارات التقدّمية في العالم العربي لتجنّبها نقد الفكر الديني بشكلٍ مباشر. يرجع العظم ذلك إلى ثلاثة عوامل رئيسية: الأول، حسابات سياسية ضيقة من قبل بعض الأنظمة التي ترغب باستثمار ما يسميه بالرجعية الدينية في التغطية على فشلها وهزائمها؛ الثاني، سيطرة تصور ماركسي ساذج بأن البنى الفوقية (بما فيها الفكر الديني) ستتغير تلقائياً بمجرّد تغيير البنى التحتية (أي قوى وعلاقات الإنتاج الاقتصادي)؛ وأخيراً، بعض التيارات العروبية الرومانسية التي أضفت هالة من القداسة على التراث العربي بأكمله (المتخلّف منه والعقلاني) بصفته إرثاً ثقافياً قومياً، مما وضعه خارج إطار النقد العقلاني والتحليل التاريخي.

القسم الآخر من نص العظم (ص 149-178) يتعلّق بالجانب الأول، أي استخدام الأنظمة العربية لـ “الأيديولوجيا الغيبية” لترويض شعوبها، خاصةً في وقت الهزيمة. يتناول النص بالتحليل والنقد تقارير صحفية عن مشاهدات لطيف مريم العذراء فوق الكنيسة المسماة باسمها في حي الزيتون في القاهرة في شهر مايو/أيار عام 1968، ورعايتها من قبل النظام المصري آنذاك حتى تحولت إلى هستيريا دينية على مستوىً قومي، وذلك بغرض امتصاص الإحباط الشعبي الذي سبّبته هزيمة عام 1967 أمام إسرائيل.

Virgin_Mary

إحدى الصور التي من المفترض أنها تظهر طيف العذراء

العظم لا يعتبر وقوع تلك المشاهدات مشكلةً بحدّ ذاتها، ففي جميع أنحاء العالم—المتقدّم منه والمتأخّر—تظهر بين الحين والآخر ادّعاءات في الصحف بمشاهدة أشباح، أطياف، صحون طائرة، أو أية ظواهر غريبة أخرى، وقد تثير أحياناً مشاعر بعض العامة بشكلٍ تلقائي. ولكن اللافت في تلك الحادثة أنها تخطّت حدود العفوية، واُحتضنت من قبل أجهزة الدولة الرسمية ومؤسسات الكنيسة القبطية على أعلى المستويات: من أجهزة المباحث ووزارة السياحة، مروراً بالاتحاد الاشتراكي وأساتذة الجامعات، وصولاً إلى رأس الكنيسة القبطية البابا كيرلس السادس. العظم يأسى أن حالة الهستيريا الجمعية هذه قد حدثت في أكبر البلاد العربية وأكثرها تأثيراً؛ في بلدٍ يتّصف بالتقدّمية والاشتراكية. كما يأسى أن الصحافة العربية التقدّمية داخل وخارج مصر—كصحيفة الأهرام العريقة وصحيفة الأنوار اللبنانية—قد تواطأت لتغييب العقل العربي، وكل ذلك في ظلّ صمتٍ مطبقٍ من قبل المثقفين العرب. العظم يسخر أن صحيفة وطني القبطية المستقلّة كانت أكثر اتزاناً وموضوعية في نقل أخبار المشاهدات من نظيراتها “التقدّميات”.

Anwar

صحيفة الأنوار اللبنانية تعلن تسجيل “معجزة” ظهور العذراء بعدسة الكاميرا

في البداية ينتقد العظم هذه الظاهرة من منظورٍ ديني بحت باعتبارها “سقطة دينية شنيعة”. فتصوير العذراء بكاميرا فوتوغرافية عادية والزعم بأن لطيفها خواصاً مادّية يمكن قياسها علمياً “كفرٌ” بواحٌ برأي العظم، والذي يعتبر الرؤية ظاهرة قلبية إيمانية (كما عند الغزالي) وليس حسّية مادية. إلى جانب ذلك يحلّل العظم المشاهدات من منظور فيزيائي-نفسي. فالصور الفوتوغرافية يمكن التلاعب بها بسهولة، والمشاهدات العينية يمكن تفسيرها على أنها حالة هذيان جمعي. أما معجزات الشفاء فيرجعها العظم إلى كون المرض نفسياً لا عضوياً (psycho-somatic)، وبالتالي يمكن لهزات عاطفية قوية، من قبيل الاعتقاد بمشاهدة معجزة دينية، أن تشفيها.

البعد الأخطر لهذه الظاهرة بحسب العظم هو توظيفها السياسي للتخفيف من آثار هزيمة عام 1967 وتخدير مشاعر الشعب، من خلال “توكيل” قوى غيبية بتعويض الهزيمة وتحرير الأراضي العربية من الاحتلال الصهيوني. فالعذراء قد ظهرت بحسب الأنبا جريجورس—أسقف الدراسات العليا والبحث العلمي (!)—لتعبر عن حزنها لسيطرة اليهود على القدس ولتعلن أن النصر قادمٌ من عند الله لا محالة.

لزيادة الطين بلّة يضع الأنبا صموئيل الحادثة في إطار تاريخي معادٍ للسامية. فأشار إلى ما يسمى “معجزة تحريك جبل المقطم” على يد القديس سمعان الخراز في عهد الخليفة الفاطمي المعز لدين الله (توفي 975)، بعد أن تحدّى الوزير اليهودي الأصل يعقوب بن كلّس المسيحيين في محاولة لبث الفتنة بين المصريين. يؤكد الأنبا صموئيل أن اليهود اليوم كما في الماضي يسعون دائماً لإثارة الفتن العنصرية، وأن الردّ الأمثل على ذلك هو التمسّك بالإيمان والقيم الروحية.

موجة الهستيريا الدينية هذه انتهت بعد أسابيع قليلة على نحوٍ مأساوي، حيث لقي 15 شخصاً (معظمهم من الأطفال) مصرعهم دهساً تحت الأقدام أثناء إحدى المشاهدات، مما اضطر السلطات المصرية إلى “لفلفة” الموضوع ونفي “شائعات” ظهور العذراء مجدداً.

يقدّم القرضاوي في كتابه الإسلام والعلمانية وجهاً لوجه نقداً مفصّلاً للعلمانية والتيار العلماني في مصر (ممثلاً بشكل أساسي بالمفكّر المصري فؤاد زكريا)، وذلك على أسس إسلامية وجدلية وشعبية. اعتراض القرضاوي الأساسي على العلمانية أنها “بضاعة غربية” تلائم العقيدة والتجربة التاريخية المسيحية ولكنها تتناقض مع جوهر الإسلام وطبيعته. يعلّل القرضاوي موقفه هذا بعدد من الحجج (يذكر العديد منها في بداية حواره مع العظم المرفق أدناه)، منها: أن المسيحية تقبل الفصل بين الدين والدنيا بناءً على مقولة المسيح “أعطوا ما لقيصر لقيصر وما لله لله”؛ أن المسيحية لا تملك شريعة كالإسلام؛ أن الفكر الغربي مبني على التصور الأرسطي لإله منفصل عن الكون لا يدبّر فيه شيئاً، والذي يشبّهه القرضاوي بملك الإنجليزي الذي يملك ولا يحكم؛ أن التاريخ الغربي مليء بالصراع الدموي بين الحاكم أو الشعب أو العلم من جهة والكنيسة من جهة أخرى. يمثل الإسلام عقيدةً وتاريخاً بحسب القرضاوي عكس هذه الحالة تماماً، فهو دين متكامل لا يفصل بين السياسية والعبادة أو المعتقد؛ ويمتلك شريعةً لتنظيم شؤون الناس الدنيوية كما الأخروية؛ كما أن الله في الإسلام مُدبّرٌ لكل صغيرة وكبيرة في الكون؛ وأخيراً فالإسلام برأي القرضاوي لم يعادِ الشعب يوماً ولم يقف عائقاً أمام تقدم العلم.

على هذا الأساس يخلص القرضاوي إلى أن المسيحي المؤمن قد يكون علمانياً دون أدنى تناقض في ذلك، في حين أن المسلم بقبوله العلمانية، قد يرفض تحكيم الشريعة، وبالتالي يصبح “مرتداً عن الإسلام بيقين” وتجري عليه أحكام المرتدين (ص67). القرضاوي يعتبر أن المشكلة الأساسية بين العلمانية والإسلام ليست المعتقد أو العبادة أو الأخلاق (والتي يمكن قبولها في مجتمعٍ علمانيٍّ ضمن حدودٍ معينة) وإنما الشريعة، أي الجانب القانوني تحديداً (ص 74)، والقرضاوي يرفض طبعاً فصل الجانب التشريعي-القانوني عن الإسلام.

في الحقيقة يعتبر القرضاوي الصراع بين العلمانية والإسلام صراعاً وجودياً، أي أن وجود أحدهما نفيٌ للآخر؛ كما أنه صراع زعامة في المجتمع إن صح التعبير، فبحسب تصوّر القرضاوي (ص93-94) طبيعة الإسلام أن يكون قائداً وسيداً في حين أن العلمانية تريده أن يكون تابعاً لها؛ وطبيعة الإسلام أن يكون شاملاً في حين أن العلمانية تريد أن تحشره في ركن أو زاوية من المجتع:

في الموالد والمآتم وعالم الخرافات والأساطير؛

في الحديث الديني في الإذاعة أو التلفاز؛

في الصفحة الدينية في الصحيفة يوم الجمعة؛

في حصة التربية الدينية في التعليم العام؛

في المسجد ضمن مؤسسات المجتمع؛

في قانون الأحوال الشخصية ضمن قوانين الدولة؛

وفي وزارة الأوقاف ضمن الحكومة.

وفوق ذلك، يضيف القرضاوي، على الإسلام أن يكون شاكراً ممتناًّ للعلمانية التي تركت له هذه المساحة، رغم كونه “صاحب الدار”.

يخصص القرضاوي جانباً كبيراً من كتابه لمهاجمة العلمانيين أنفسهم ومنطقهم. فهو يعترض على تشكيكهم بالمسلّمات التي يعتبرها عامّة لدى المسلمين، من قبيل قولهم بأن الشريعة نظام بشري كون من يطبقونه بشر. برأي القرضاوي القبول بهذه “المسلّمات” (أو على الأقل الامتناع عن مساءلتها) شرطٌ للحوار مع العلمانيين. عدا عن ذلك لا يصلح كلامهم أساساً للحوار، وإنما “سيفاً للهجوم” (بحسب وصف القرضاوي لإحدى مقالات فؤاد زكريا) أو سمّاً زعافاً (كما يوحي غلاف كتابه).

Qaradawi_book

غلاف كتاب الإسلام والعلمانية

 

إلى جانب ذلك يثني القرضاوي على الكاتب المصري الإسلامي فهمي هويدي في نقده لـ “تطرّف العلمانيين”، والذي يضعه في نفس الكفّة مع “تطرّف الإسلاميين” من قبيل الجماعة المُسمّاة التكفير والهجرة، والتي وقفت وراء اغتيال وزير الأوقاف المصري محمد الذهبي عام 1977. بل ويزيد هويدي على ذلك بالحكم على العلمانيين بالتطرّف “مع سبق الإصرار والترصد” (كذا)، في حين أنه يصدر حكماً مخففاً على الإسلاميين المتطرفين بأنهم “شباب مندفع سلك طريقه على سبيل الخطأ” (ص 6).

أخيراً يرفض القرضاوي الاعتراف بتفسيرات العلمانيين للإسلام، على اعتبار أنها مأخوذ من المستشرقين أو المستغربين، وليس من العلماء “أهل الاختصاص به والخبرة فيه” (ص 18-20). بعبارةٍ أخرى يحصر القرضاوي سلطة التفسير بطبقة مختصّة من الناس، على الرغم من ذلك يدّعي القرضاوي لاحقاً (ص 36) بأنه لا “كهانة” في الإسلام ولا واسطة بين العبد وربّه، مما يثير التساؤل كيف يتمّ ذلك إذا لم يكن ممكناً للعبد تفسير دينه بنفسه؟

الحوار بين القرضاوي والعظم في حلقة الاتجاه المعاكس المرفقة أدناه (والتي تعود على الأرجح إلى التسعينيات من القرن الماضي) جديرة جداً بالمشاهدة. بلا شكّ، لقد جرى عدد لا يحصى من الحوارات والنقاشات والمناظرات عن الدين والعلمانية في العالم العربي خلال العقود الماضية، وقد يتساءل البعض—كما يفعل القرضاوي في بداية مداخلته في هذه الحلقة—إن كان هناك جدوى حقيقية من هكذا حوارات، فهي دائماً ما تنتهي بكلّ طرفٍ متمسكاً بموقفه وآرائه، سواءً من المشاركين أو المتابعين. وقد يلاحظ المرء كيف يدخل هذا الحوار أحياناً في حلقاتٍ مفرغة. فكل طرف متمسكٌ برؤية “مثالية” لنموذجه الفكري، وعندما يأتي الطرف الآخر بمثالٍ معاكسٍ من واقع الحال، يردّ عليه الأول بأنه لا يوجد تطبيق سليم 100% لنموذجه. ولكن مع ذلك، ففي ظل المناخ العربي الفكري الحالي، حيث لا يسمع إلا ضجيج القنابل والانفجارات أو السباب واللعان على وسائل التواصل الاجتماعي، فمن الجميل الاستماع إلى حوار حضاري وتبادل سلمي للأفكار بين شخصين يمثلان قطبين فكريين متناقضين.

تسجيل لحوار العظم والقرضاوي في برنامج الاتجاه المعاكس على قناة الجزيرة (المصدر: قناة القرضاوي على يوتيوب)

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s