الجلسة العاشرة – النقد الفكري-الديني في العالم العربي

عالجت هذه الجلسة أشكالاً مختلفة من النقد الفكري-الديني في العالم العربي من خلال تناول نصّين: الأول مأخوذ من كتاب للمؤلفة اللبنانية إليزابيث سوزان كسّاب (حالياً رئيسة برنامج الفلسفة في معهد الدوحة للدراسات العليا) يحمل عنوان الفكر العربي المعاصر: دراسة في النقد الثقافي المقارن (صدر الكتاب بالإنجليزية عام 2010 وبنسخته العربية[1] عام 2012)، ويتناول أمثلة عديدة على الفكر النقدي الديني في العالم العربي (كمحمد أركون، نصر حامد أبو زيد، حسن حنفي، وغيرهم)؛ فيما النص الثاني يعود للكاتب الفلسطيني إبراهيم أبو ربيع (توفي عام 2011) ويتناول تحديداً مراجعات راشد الغنوشي (مؤسس حركة النهضة التونسية) للفكر الإسلامي السياسي.

النصوص المقررة:

  • Kassab, Elizabeth S. (2010) Ch. 4 “Critiques in Islamic Theology” in Contemporary Arab Thought: Cultural Critique in Comparative Perspective, Columbia Univ. Press, New York, p. 173-219. (لتحميل النص إضغط هنا)
  • Abu-Rabiʿ, Ibrahim M. (2004) “Rashid al-Ghannushi and the Questions of Shari’ah and Civil Society” in Contemporary Arab Thought: Studies in post-1967 Arab Intellectual History, Pluto Press, London, Sterling, Va, p. 203-222. (لتحميل النص إضغط هنا)

 

تنطلق كسّاب من أن صلب مشروع تكييف الدّين مع الحداثة في العالم العربي هو وضع النص الديني في سياق تاريخي من خلال علم التأويل (الهرمنيوطيقا) وأن رواد هذا الاتجاه في العالم العربي هما الباحث الجزائري-الفرنسي في الدراسات الإسلامية محمد أركون (1928-2010) ونظيره المصري نصر حامد أبو زيد (1943-2010).

محمد أركون: من اللامفكّر Unthought أو غير الممكن التفكير فيه Unthinkable إلى الممكن التفكير فيه Thinkable

Arkoun1

محمد أركون (المصدر: مؤمنون بلا حدود)

بحسب كسّاب فإن الغاية من مشروع أركون الفكري في معرض نقده للدراسات الإسلامية (بجانبيها الغربي والمحلّي) إنجاز هدفين أساسيين: الأول خلق نظرية معرفية (إبستمولوجيا) جديدة لدراسة الدين كعنصر أساسي في الوجود الإنساني؛ والثاني تطوير نظرية للدراسات المقارنة للثقافات، خاصة تلك المتأثرة بالديانات السماوية. الهدف الأول يمكن تقسيمه إلى أربعة أهداف فرعية:

1. تفكيك مركزية النص logo-centrism وسطوة الفكر الاستنباطي اليوناني في التراث الإسلامي، وإعادة الاعتبار للجانب الخيالي mythos والنبوي prophetic.

2. إدماج العلوم الإنسانية (كاللسانيات) والاجتماعية (كالأنثربولوجيا) في دراسة الإسلام كما هو متمثّل embedded في التاريخ والثقافة واللغة، ولكن من دون إغفال طابعه العالمي.

3. توسيع مفهوم التراث ليشمل التيارات الإسلامية الجانبية unorthodox.

4. كشف أنظمة الحقيقة والسلطة والتي تحدّد ما هو ممكن التفكير فيه وما هو غير ممكن في سياقٍ معين. فمثلاً مع انتصار الفكر الحنبلي القائل بعدم خلق القرآن على الفكر المعتزلي بات من غير الممكن في العديد من السياقات الإسلامية إعادة فتح هذا النقاش وتناول طبيعة النص القرآني من جديد، مما أدخله في نطاق الممنوع التفكير فيه. مهمة النقد بحسب أركون هو تناول هذا الممنوع الفكري وتحويله إلى ممكن. من دون ذلك، سيتّسع نطاق الممنوع ليضيق الأفق الفكري بشكل متواصل، وهذا ما حدث في العالم العربي نتيجة سيطرة الدولة على المؤسسات الدينية وتجنّب الحركات الإسلامية لعلم الكلام، وقيام كلا الطرفين باضطهاد الفكر النقدي.

كسّاب تقارن بين مشروع أركون لإدماج الجانب الخيالي مجدداً في الفكر الإسلامي بمشروع محمد عابد الجابري الذي يرى على العكس أن مشكلة الفكر الإسلامي هي تراجع العقلانية وليس سطوتها. كما أن أركون انتقد نقد صادق جلال العظم العقلاني لفكر الحركات الدينية على أنه غير مفيد.

نصر حامد أبو زيد: التفكير في زمن التكفير

abu_zayd_284-1(2)

نصر حامد أبو زيد (المصدر: جدلية)

حدّد أبو زيد في كتابه الشهير نقد الفكر الديني ما اعتبره آليات الخطاب الإسلامي المعاصر، وهي: الخلط بين النص المقدّس والتراث؛ نفي الإرادة البشرية وإرجاع كل حدث إلى عمل الخالق؛ الاستخدام الانتقائي للتراث الإسلامي والعلوم الغربية (أخذ العلوم التقينة مثلاً من دون الإنسانية)؛ فرض ثقافة يقينية على كافة الجوانب الفكرية (وليس على الإيمان فحسب) بما لا يدع مجالاً للشك والنقد؛ وأخيراً تجاهل التاريخ ورفع الإسلام إلى مقام لا تاريخي في إطار خطاب اعتذاري تبريري. يضيف أبو زيد إلى هذه الآليات الفكرية فرضية مركزية في الفكر الإسلامي المعاصر وهي حاكمية النص، فأصبحت كل المسائل الاجتماعية والسياسية والثقافية تناقش بالاحتكام إلى النص (من قبل الإسلاميين ومنتقديهم على حدٍّ سواء).

في كتاب آخر مفهوم النص يقرّ أبو زيد أن الإسلام “حضارة نصّية” (أي، كما يذهب أركون، قائمة على مركزية النص)، ولكنها مبنية على حوار متواصل مع النص كما يتمثّل في سياقه التاريخي، وذلك من دون إنكار أصله الإلهي. ولكن في الخطاب الإسلامي المعاصر يتم تجريد النص من سياقه ليتحول إلى فيتيش أو صنم بيد الفئات المسيطرة التي تحتكر تأويله وتستخدمه للحفاظ على سلطتها. مشروع أبو زيد قام على أنسنة النص ودراسته كما تجلّى في الثقافة والتاريخ. هذا المشروع ابتدأ في عصر النهضة ولكنه تراجع بسبب ضعف الطبقة الوسطى وفشلها في توسيع الآفاق المعرفية لدراسة الإسلام. فمحمد عبده قد تراجع عن منهجة التاريخي تحت ضغط المحافظين وتحول لخطاب اعتذاري لا تاريخي.

رغم نقده الشديد للخطاب الإسلامي المعاصر ومعاناته الأمرّين على يد الإسلاميين (تطليقه من زوجته وتهديده بالقتل مما أدى إلى هجرته خارج مصر)، إلا أن أبو زيد بقي مؤمناً بضرورة الديمقراطية في العالم العربي حتى لو أدّى ذلك إلى وصول الإسلاميين للحكم. فهو من القلائل الذين جمعوا بين التعاطف المبدأي مع عامّة الشعب في معاناتهم وتوقهم للحرية والعدالة من جهة، والتحليل العقلاني الصارم لتراثهم الديني الذي يعتزّون به من جهةٍ أخرى.

كسّاب تتناول عدد آخر من الكتّاب والتيارات الفكرية النقدية في العالم العربي ومنها “اليسار الإسلامي” (حسن حنفي)، الحركة النسوية والإسلام (فاطمة المرنيسي وليلى أحمد)، ولاهوت التحرير المسيحي الفلسطيني (نعيم عتيق ومتري الراهب) ولكن لا مجال هنا لتلخيصها جميعاً.

النص الآخر لابراهيم أبو ربيع عبارة عن الفصل التاسع “راشد الغنوشي ومسألة الشريعة والمجتمع المدني” من كتابه الذي يحمل نفس عنوان كتاب كسّاب الفكر العربي المعاصر (العنوان الفرعي: دراسات في التاريخ الفكري العربي بعد عام 1967). يتناول أبو ربيع في هذا النص محاولات مؤسس حزب النهضة التونسي لإعادة صياغة بعض الجوانب الفكرية في المشروع الإسلامي بالاعتماد على مفهوم مقاصد الشريعة للفقيه الأندلسي إبراهيم بن محمد الشاطبي (توفي عام 1388). والمقصود بمقاصد الشريعة حفظ مصالح العباد في الدنيا والآخرة، وأهمها حفظ العقل والنسب والدين والحياة والملكية. الغنوشي خلص من خلال مراجعاته إلى أن الاستيلاء على الحكم أو تأسيس دولة إسلامية لا يجب أن يكون الأولوية للمشروع الإسلامي، وهو غير ممكن في الوقت الحالي [كان هذا قبل الربيع العربي]. كما دعا الغنوشي إلى نبذ العنف واتخذ موقفاً أقل حدّة تجاه الغرب. الغنوشي قدّم أيضاً خطاباً حقوقياً يتبنى مفاهيم الحرية والعدالة والمساواة (من منظور إسلامي) ودعا الإسلاميين إلى العمل على مستوى المجتمع المدني والعمل الديمقراطي، بعيداً عن مفاهيم مهاجمة المجتمع والانعزال عنه، كما هو شائع في الخطاب القطبي-السلفي.

Ghanouchi

راشد الغنوشي (المصدر: الصباح نيوز)

 


[1]  لقد استخدمت في الجلسة النص الإنجليزي لكتاب كسّاب، وليس لدي اطلاع على النص العربي، وبالتالي قد تختلف ترجمتي للمصطلحات الإنجليزية عن ترجمة كسّاب في نسختها العربية، أو عن النصوص العربية (الأصلية أو المترجمة) العائدة للمفكرين الذين تناولتهم.

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s