حلقة دراسية: تاريخ الصحافة العربية – الجلسة الأولى: تاريخ الطباعة في الدولة العثمانية

في شهر نيسان/أبريل الماضي قمت بتقديم حلقة دراسية (سيمنار) مكثّفة عن تاريخ الطباعة والصحافة العربية لطلاب ماجستير الدراسات العربية في معهد الدراسات الشرقية في جامعة تبليسي الحكومية في جمهورية جورجيا. الحلقة الدراسية تكونت من أربع جلسات على مدى أسبوعين. كما فعلت سابقاً لدى تقديمي لحلقة دراسية أخرى في جامعة لايبتزغ الألمانية عن العلمانية في العالم العربي، سأنشر للقارئ العربي في مدونتي هذه ملخّصاً لكل جلسةٍ من جلسات هذه الحلقة الدراسية مع تحميل النصوص المقررة فيها لمن يرغب بالاطلاع عليها.

الجلسة الأولى: تطور الطباعة في الدولة العثمانية

تعالج هذه الجلسة بدايات الطباعة في الدولة العثمانية والنقاش الأكاديمي حول أسباب تأخر انتشار هذه التقنية فيها مقارنةً بأوروبا الغربية. كما تتناول ظهور الطباعة في أوروبا نفسها، والجدل القائم فيما إذا شكّل ذلك ثورةً حقيقيةً غيّرت وجه القارة العجوز أم لا. بالإضافة إلى ذلك، تم عرض نماذج من أولى الكتب المطبوعة بالحرف العربي.

النصوص المقررة:

Johns, A. (2001), “Printing as a Medium”, in Smelser, N.J. and Baltes, P.B. (Eds.), International Encyclopedia of the Social and Behavioral Sciences, 1st ed., Elsevier, Pergamon, Amsterdam, pp. 12050–12055

Kreiser, K. (Ed.) (2001), The Beginnings of Printing in the Near and Middle East: Jews, Christians and Muslims, Harrassowitz, Wiesbaden, pp. 9-29

Schwartz, K.A. (2017), “Did Ottoman Sultans Ban Print?”, Book History, Vol. 20 No. 1, pp. 1–39

لتحميل النص، إضغط على الرابط الموجود في العنوان.

1. الطباعة في أوروبا

يتناول النص الأول المقرّر في هذه الجلسة “الطباعة كوسيلة” (وهو مأخوذ من الموسوعة الدولية للعلوم الاجتماعية والسلوكية) ظهور الطباعة في أوروبا وتطورها من الناحية التقنية والمهنية، بالإضافة إلى آثارها الاجتماعية والسياسية والثقافية، فضلاً عن تطور فهمنا للأهمية التاريخية لهذا الاختراع. يفتتح كاتب النص، أدريان جونز، مقالته بالتذكير بأن تقنيات إعادة إنتاج النصوص بصورة ميكانيكية قد وجدت في الصين وكوريا لمئات السنين قبل ظهورها في أوروبا، ولكنها لم تحدث تغييرات جذرية في مجتمعات شرق آسيا، كما أنها على الأرجح لم تصل إلى أوروبا، مما يجعل الحرفي الألماني يوحنا غوتنبرغ (ت. 1468) المخترع الفعلي لتقنية الطباعة بالحرف المتحرك movable type.

بحسب جونز ينقسم تاريخ الطباعة إلى مرحلتين: مرحلة المكبس اليدوي hand-press (منتصف ق 15 حتى نهاية ق 18) ومرحلة الطباعة الآلية industrial printing (من بداية ق 19 وحتى الآن). التقنية التي ظهرت في ورشة غوتنبرغ للطباعة في مدينة ماينز الألمانية الغربية تقوم على صناعة قطع معدنية types يمثل كل منها حرفاً من حروف الأبجدية. يتم صفّ هذه القطع بجانب بعضها البعض ووضعها في قالب معكوسةً كما في الصورة الموضحة أدناه.

Movable type

نموذج لنص باللغة الإنكليزية تم تشكيله بواسطة حروف متحركة – المصدر: ويكيميديا

بعد ذلك تُدهن الحروف المصفوفة بالحبر ويوضع القالب في آلة الطباعة حيث يتم ضغطه press يدوياً على الورق [هذا أصل استخدام كلمة ضغط press للإشارة للصحافة ودور النشر باللغة الإنجليزية]، فتُطبع الكلمات على الورق بصورة صحيحة (لهذا السبب يتم صفّها بشكل عكسي). في النهاية يتم تعليق الورق حتى ينشف الحبر قبل حزمها وتجليدها ككتب. بواسطة هذه التقنية البسيطة، يمكن لعاملين اثنين أن ينسخا ما يقارب من ألف صفحة في اليوم الواحد.

Hand press_wiki

رسم توضيحي لآلة الطباعة اليدوية – المصدر: ويكيميديا

بقيت الطباعة معتمدة على تقنية الحروف المتحركة والمكبس اليدوي حتى نهاية القرن الثامن عشر. ولكن عدداً من التطورات التقنية والقانونية في ذلك القرن مهّدت لدخول الطباعة عصر المكننة الآلية. على رأس تلك التطورات تحسين صناعة الورق، ظهور تقنية الحروف الصلبة stereotype، واختراع المكبس البخاري steam press، فضلاً عن ظهور قوانين حقوق الملكية اعتباراً من عام 1710. أول من قام بتوظيف المكبس البخاري تجارياً بعد ظهوره حوالي عام 1800هو صحيفة التايمز اللندنية، التي أصبحت بحلول عام 1827 قادرة على طباعة 5000 نسخة في الساعة الواحدة. الطباعة الآلية لم تجعل الصحافة الوطنية اليومية ممكنةً فحسب، بل ضرورةً اقتصادية لتصريف الإنتاج الهائل من الورق المطبوع.

Stereotype

الحروف الصلبة stereotype عبارة عن ألواح معدنية يتم حفر النص عليها من أجل توفير الوقت المبذول في صف الحروف المتحركة، من هنا اتخذت الكلمة معنى الصورة النمطية – المصدر: متحف ملبورن للطباعة

Koenig's_steam_press_-_1814

نموذج لمكبس الطباعة البخاري الذي اخترعه كونيغ وباعه لاحقاً لصحيفة التايمز اللندنية – المصدر: ويكيميديا

ينتقل النص بعد ذلك من تاريخ الطباعة إلى تاريخ نظرتنا للطباعة ودورها في تطور المجتمعات البشرية والوعي البشري. بحسب جونز فإن أول من قدّم تفسيراً تاريخياً للأهمية الثورية للطباعة هو الفيلسوف الفرنسي ماركيز دي كوندورسيه Marquis De Condorcet (1743-1794)، والذي اعتبرها فاتحةً لمرحلة جديدة في تطور “العقل البشري” وعاملاً أساسياً في قيام الثورة الفرنسية. وفي الستينيات من القرن الماضي، نشر الباحث الكندي مارشال مكلوهان Marshall McLuhan (1911-1980) كتابين بعنوان مجرّة غوتنبرغ وفهم الإعلام، قدّم فيهما آراءً مبالغاً فيها عن الأثر الثقافي بل حتى النفسي للطباعة. بحسب مكلوهان، فإن الطباعة قد نقلت البشرية من طور “الإنسان القبلي” إلى طور “الإنسان الطبوغرافي”، والذي يتشكّل وعيه بحسب “المنطق الطباعي”.

من وجهة نظر جونز فإن آراء مكلوهان كانت أقرب إلى الصرعة الفكرية منها إلى البحث المُعمّق، ولكنها لفتت أنظار الباحثين الآخرين إلى أهمية الوسيلة بغض النظر عن المحتوى الذي تحمله، والتي لخّصها بقوله المأثور “الوسيلة هي الرسالة” (the medium is the message). هذه المقاربة لأثر تقنية الطباعة كوسيلة على التاريخ البشري تم تبنّيه من قبل الباحثة الأمريكية إليزابيث أيزينشتاين Elizabeth Eisenstein في كتابها الشهير الطباعة كعامل تغيير (1979)، والتي قدّمت فيه أشهر نظرية علمية لما اصطلح على تسميته بـ “ثورة الطباعة”.

Eisenstein-2

غلافا كتاب أيزينشتاين الطباعة كعامل تغيير – المصدر

بحسب أيزينشتاين، فإن الطباعة لم توفّر كمّيات هائلة من المعلومات فحسب، بل ساهمت أيضاً في إحداث تغييرات نوعية في الوعي البشري، أهمّها: الثبات النصّي textual fixity وظهور أنماط جديدة من القراءة. تحاجج أيزينشتاين بأن الطباعة حدّت من أخطاء النسخ والتباينات اللغوية، كما وفّرت إمكانيات أفضل للاقتباس ونسخ الرسومات وفهرسة الكتب، مما جعل النصوص أكثر ثباتاً. هذا الثبات النصّي أدّى بدوره إلى تغييرين جذريين هامين: ظهور العلم الحديث ونجاح الإصلاح البروتستانتي. فمارتن لوثر لم يكن أول من حاول إصلاح الكنيسة الكاثوليكية، ولكنه أول من نجح بذلك بسبب توفر تقنية الطباعة التي جعلت نشر أفكاره أسهل بكثير. كما أن الإصلاح البروتستانتي، من خلال تأكيده على أهمية النص وسلطة الفرد في تفسيره، عديم المعنى من دون وجود الأناجيل بوفرة.

Pope as Antichrist_British Museum

الحرب الدعائية المستعرة بين البروتستانت والكاثوليك في القرنين السادس عشر والسابع عشر جعلت من طباعة المناشير عملاً تجارياً مربحاً. الصورة مأخوذة من منشور بروتستانتي ألماني من ق 16 يصور البابا على هيئة المسيح الدجال – المصدر: المتحف البريطاني

 

index_librorum_prohibitorum_1.jpg

غلاف نسخة من دليل الكتب المحرمة (طبعة البندقية 1564) الذي كانت تصدره الكنيسة الكاثوليكية. من سخرية القدر أن ورود كتاب في هذا الدليل كان كفيلاً بتحويله إلى كتاب أكثر مبيعاً  – المصدر: ويكيميديا

من جهةٍ أخرى، برز للوجود مفهوم المجال العام public sphere وهو الحيز الاجتماعي الذي يتشكّل من خلال تواصل الأفراد مع بعضهم البعض بالوسائط المطبوعة، كما في رؤية الفيلسوف الألماني الشهير يورغن هابرماس.

نظرية أيزينشتاين عن الطباعة تركت أثراً كبيراً على جيل كامل من المؤرخين حاولوا تطبيق أفكارها في مجالاتٍ هامة. من أبرزهم بينيديكت أندرسون Benedict Anderson في نظريته الشهيرة عن الدور المحوري للصحافة في بروز مفهوم المجتمع المتخيّل أي الدولة القومية. ولكن جونز يعتبر أن رؤية أيزينشتاين للأثر الثوري للطباعة لا تنطبق على طورها الأول (أي طور المكبس اليدوي حتى ق 18) بل على الطباعة الآلية. فالثبات النصي، وانتشار التعليم، وتشكّل الفضاء العام هي تطورات لم تتحقّق حتى القرنين التاسع عشر والعشرين من وجهة نظره. في نهاية مقالته ينوّه جونز ببروز جيل جديد من الباحثين ينأى بنفسه عن النزعة الحتمية أحادية الأبعاد لمفهوم “منطق الطباعة” print logic، ويركّز بدلاً من ذلك على كيفية تلقي النصوص واستخدامها من قبل القراء، الذين لا يكونون عبارة عن متلقين سلبيين للنصوص المطبوعة بل عناصر فعّالة توظّف هذه النصوص في سياقات اجتماعية محددة.

2. تسلسل زمني للطباعة في الدولة العثمانية والعالم العربي

النص الثاني مأخوذ من كتاب صدر بمناسبة معرض أقيم في مدينة بامبيرغ الألمانية عام 2001 عن تاريخ الطباعة في الشرق الأوسط. يحتوي الكتاب على مجموعة من الصور لأوائل الكتب المطبوعة في الشرق الأوسط (أو المطبوعة من أجل الاستهلاك في الشرق الأوسط) باللغات العبرية والسريانية والعربية والتركية والأرمنية والفارسية، مرفقة بشروح مختصرة عن خلفياتها التاريخية.

مقدمة الكتاب، المكتوبة من قبل كلاوس كرايزر، تبتدئ بالسؤال المعتاد لكل دراسة عن تاريخ الطباعة في الدولة العثمانية: لماذا “التأخر” بتبنّي هذه التقنية؟ بعيداً عن الأجوبة المعتادة من قبيل اعتراضات رجال الدين المزعومة ومخاوف النسّاخ من خسارة أعمالهم، يلفت كرايزر النظر إلى العوامل الاقتصادية. فإنتاج الكتب—مثل أي مشروعٍ اقتصاديٍّ آخر—يحتاج إلى التمويل والمواد الأولية والمعرفة التقنية والقدرة الشرائية لنجاحه. كرايزر يعتبر أيضاً أن العامل الاقتصادي كان السبب وراء الأثر المحدود للطباعة في الدولة العثمانية قبل منتصف القرن التاسع عشر. فحتى ذلك الحين، اقتصرت الطباعة على المؤسسات الدينية والمطابع الحكومية، والتي كانت محدودة الإنتاج ومعنية فقط بطباعة كتب لشريحة ضيقة من المستهلكين (رجال الدين وموظفي الحكومة)؛ على عكس أوروبا، حيث كانت ظاهرة الطباعة رأسمالية بامتياز (من هنا جاء مصطلح الطباعة الرأسمالية print capitalism الشائع استخدامه)، مما شكّل حافزاً للمنتجين للابتكار والإبداع من أجل تسويق سلعهم (أي مطبوعاتهم) على نطاقٍ واسع.

الجدول التالي يبين تسلسلاً زمنياً بأوائل الكتب المطبوعة في السلطنة العثمانية بأهم اللغات المستخدمة فيها:

السنة والمكان

الكتاب

الجهة

ملاحظات

1493 – إسطنبول

أربعة طوريم (كتاب في أحكام الشريعة اليهودية)

اليهود السفارديون، الذين أحضروا معهم تقنية الطباعة لدى لجوئهم للدولة العثمانية هرباً من الاضطهاد في أوروبا

أول كتاب طبع في أراضي الدولة العثمانية

1514 – فانو، إيطاليا

صلاة السواعي (كتاب صلوات مسيحية)

مطبعة خاصة، على الأرجح من أجل بيعه لمسيحيي سوريا

أول كتاب مطبوع بالحرف العربي

1537 – البندقية، إيطاليا

القرآن

مطبعة خاصة

أول نسخة مطبوعة من القرآن

1567 – إسطنبول

أول كتاب مطبوع باللغة الأرمنية في الدولة العثمانية

1610 – دير مار أنطونيوس، قزحيا، جبل لبنان

كتاب مزامير داوود

سركيس الرزي، مطران دمشق الماروني.

أول كتاب مطبوع في العالم العربي. طبع باللغة السريانية والكرشوني (لغة عربية مكتوبة بالحرف السرياني)

1627 – إسطنبول

أول كتاب مطبوع باللغة اليونانية في الدولة العثمانية

1706 – حلب

الإنجيل الشريف الطاهر والمصباح المنير الزاهر

أثناسيوس دباس، مطران حلب للروم الأرثوذوكس. تعلّم حرفة الطباعة في الأفلاق (في رومانيا حالياً).

أول كتاب مطبوع في العالم العربي بالحرف العربي

1729 – إسطنبول

ترجمة تركية لقاموس صحاح الجوهري

مطبعة إبراهيم متفرقة (ديبلوماسي وعالم عثماني من أصل مجري)

أول مشروع طباعة أنشأه مسلم عثماني. استمرت المطبعة حتى عام 1741.

1734 – دير مار يوحنا للروم الكاثوليك، الشوير، جبل لبنان

كتاب ميزان الزمان وقسطاس أبدية الإنسان (رسالة دينية مترجمة عن الإيطالية)

عبد الله زاخر (مساعد سابق لأثناسيوس دباس)

أول كتاب مترجم طبع في العالم العربي؛ وأول مشروع مستدام للطباعة في العالم العربي، حيث استمرت المطبعة حتى عام 1899.

1836 – بيروت

كتاب فصل الخطاب في أصول لغة الأعراب للشيخ ناصيف اليازجي

مطبعة المرسلين الأمريكان

أول كتاب لاديني طبع في العالم العربي

1860ـات

ظهور الدوريات وانتشار الكتب بأعداد معتبرة

1874 – إسطنبول

القرآن

أول قرآن يطبع في السلطنة العثمانية (بصرف النظر عن مصر)

3. هل منع السلاطنة العثمانيون الطباعة؟

في المقالة الثالثة تتناول الباحثة الأمريكية كاثرين شوارتز الحقل الأكاديمي المعني بتاريخ الطباعة في الدولة العثمانية بالنقد والتحليل. شوارتز تعتبر أن معظم هذه الدراسات في هذا المجال قد تمحورت حول سؤالين رئيسيين: أولاً، هل غيّرت الطباعة الدولة العثمانية بشكلٍ ملموس؟ وثانياً، لماذا تأخر العثمانيون في تبنّي تقنية الطباعة؟

تجادل شوارتز في مقالتها هذه بأن هذين السؤالين يشكلان إطارين لاتاريخيين ahistorical لدراسة تاريخ الطباعة في العالم العثماني، لأنهما مبنيان على أساس تجربة القارة الأوروبية مع وسيلة الطباعة، التي لا تنطبق بالضرورة على الحالة العثمانية. بحسب شوارتز فإن الباحثين في هذا المجال بطرحهم أسئلة خاطئةً قد عجزوا عن تقديم فهم صحيح لتطور الطباعة العثمانية، بل وفتحوا الباب أيضاً لدخول أفكار استشراقية orientalist منحازة للغرب إليه.

كبديل عن هذه السؤالين، تقترح شوارتز على الباحثين في مجال تاريخ الطباعة العثمانية طرح السؤال التالي “لماذا الطباعة؟”، ومحاولة الإجابة عنه في سياقات وحالات محددة زمنياً ومكانياً، عوضاً عن طرح مقارنات شمولية بين الدولة العثمانية بأكملها (تاريخياً وجغرافياً) من جهة، وأوروبا من جهةٍ أخرى.

تقوم شوارتز بتفكيك المقاربة الأوروبية للطباعة في العالم العثماني عن طريق تحرّي فكرة وجود تحريم عثماني شامل للطباعة في الكتابات التاريخية الأوروبية والعربية والتركية—المعاصرة منها والحديثة—والتحقق منها عبر مقارنتها بالمصادر العثمانية المتوفرة. بحسب شوارتز فإن المصادر الأوروبية بين القرنين السادس عشر والثامن عشر قد أشاعت فكرة أن السلطان بايزيد الثاني (حكم 1481-1512) وخلفه سليم الأول (حكم 1512-1520) قد أصدرا فرمانين يحرّمان الطباعة كلياً أو جزئياً، ولكن شوارتز تشير إلى أنه لا وجود لسجل تاريخي أو نسخة من هذين الفرمانين المزعومين، كما أن تفاصيلهما المذكورة في المصادر التاريخية متناقضة. فبعضها يذكر أن الفرمانين قد حرّما الطباعة كلياً أو حتى حيازة المواد المطبوعة، فيما بعضها الآخر يجعل التحريم متعلقاً باللغة أو الحرف أو الدين أو الموضوع، مما يثير الشك بصحة هذه التقارير ومصادرها. فضلاً عن ذلك، فإن هنالك الكثير من الدلائل على توفر كتب مطبوعة في أوروبا في أراضي السلطنة، مما يجعل فكرة وجود تحريم شامل للطباعة ضعيفة تاريخياً. عدا عن ذلك، فإن العوامل التي يرددها المؤرخون مراراً على أنها عرقلت تطور الطباعة في الدولة العثمانية (كمعارضة العلماء والنسّاخين فضلاً عن بعض الخصائص الثقافية التي ينظر إليها أنها تتعارض مع الطباعة كالتعليم الشفوي وقداسة الخط العربي) لا تستند إلى أدلة تاريخية موثوقة.

تنتقل شوارتز بعد ذلك إلى فرمانين عثمانيين متعلقين بالطباعة موثقين تاريخياً. الأول فرمان للسلطان مراد الثالث من عام 1588 يمنح تاجرين أوروبيين حق بيع كتب مطبوعة باللغة العربية في أراضي السلطنة. الفرمان عثر عليه ضمن نسخة عربية لكتاب إقليدس العناصر مطبوعة في روما عام 1594 كدليل على شرعية بيعه ضمن نطاق الأراضي العثمانية. الفرمان الثاني أصدره السلطان أحمد الثالث عام 1727 لإبراهيم متفرقة (أول مسلم عثماني يفتتح مطبعة) يمنحه فيها رخصةً لطباعة الكتب غير الدينية. الفرمان مرفق بفتوى من شيخ الإسلام (مفتي الدولة العثمانية) تنوّه بفوائد الطباعة. شوارتز تؤكّد بأن هذين الفرمانين لا يشكلان تحليلاً للطباعة بعد تحريمها المزعوم (كما فسرهما معظم المؤرخين)، بل مجرد رخصتين لأشخاص محدّدين لطباعة أو بيع كتب معينة بشروط معينة. شوارتز تستنتج في النهاية بأن السلطات العثمانية لم تتعامل مع الطباعة من منطلق التحليل والتحريم، وإنما من منطلق إداري صرف.

Ibrahim_Muteferriqa_Abhandlung_über_Magnetismus

صفحة من أحد الكتب المطبوعة في مطبعة إبراهيم متفرقة – المصدر: ويكيميديا

مع ذلك، فقد تناقل المؤرخون الأوروبيون فكرة وجود تحريم ديني أو مقاومة دينية للطباعة، وتبعهم في ذلك مؤرخون عثمانيون أتراك وعرب (تذكر المؤلفة منهم أحمد جودت باشا، جرجي زيدان، ولويس شيخو)، ومن ثم مستشرقون أوروبيون (أهمهم برنارد لويس) ومؤرخون قوميون أتراك وعرب، كانت لديهم نظرة سلبية للدولة العثمانية ومستوى تطورها الحضاري.

انتقادات شوارتز للنزعة الاستشراقية والمركزية الأوروبية Eurocentrism في دراسة تاريخ الطباعة العثمانية مبنية على أسس متينة بلا شك، ولكنها في بعض المواضع تجنح بعيداً في الاتجاه المعاكس. فعلى سبيل المثال، شوارتز لا تعطي في مقالتها أي أهمية تذكر لاستثناء الكتب الدينية من الرخصة الممنوحة لإبراهيم متفرقة من قبل السلطان أحمد الثالث. من وجهة نظرها، هذا الاستثناء جاء بطلبٍ من متفرقة نفسه الذي لم يرد طباعة الكتب الدينية أساساً بحسب ظنّها. وهي لا تجد في ذلك أي إشارة محتملة لوجود معارضة (من قبل بعض العلماء على الأقل) لطباعة الكتب الدينية. كما أن شوارتز، كما هو الحال لدى العديد من الكتّاب في تيار ما بعد الكولونيالية، ينحون نحو نزع الاستقلال الذاتي agency عن الكتّاب الشرقيين الذي يعبّرون عن آراء قد تتوافق مع النظرة الأوروبية نحو المشرق. فهي لا تأخذ آراء بعض الكتاب العثمانيين من قبيل متفرقة وجودت باشا بأن الدولة العثمانية كانت في حالة تراجع في زمانهم وأن لعدم تبنيها للطباعة دوراً في ذلك على محمل الجد. كما أنها لا تعزو هذه الآراء لملاحظاتهم الشخصية وآرائهم المجردة، بل لتأثرهم بالغرب، الذي يبدو (كما هي العادة في الكتابات ما بعد الكولونيالية) كقوة مطلقة تتحكم في وعي النخب المثقفة المحلّية.

 

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s